الذهب…زينة وخزينة

خذلتهم البورصات وأسواق العقارات والبنوك، التي انهارت على إيقاع الأزمة المالية العالمية، قالبةً الموازين في عالم الاستثمار، مجبرةً المستثمرين على التريث قبل الخوض في أي مشروع مجهول المصير، وسط تفضيل هؤلاء العودة إلى الاستثمار في الذهب، معتبرين إياه ملاذاً آمناً في زمن الأزمات.

الذهب…زينة وخزينة

هذا وتتنوع الاستثمارات في الذهب بين تلك التي توّفرها البنوك والخاصة بصغار المستثمرين، فالبنوك تقدم نوعين من حسابات الذهب، الحسابات المخصّصة وغير المخصّصة، فالأولى توصف على أنها من أكثر أنماط الاستثمار في الذهب أماناً، حيث يتم الاحتفاظ بالذهب في خزينة يتولى إدارتها تاجر سبائك معترف به، لا يقوم بالإتجار بها أو إقراضها إلا بتعليمات صادرة عن مالك الحساب.
أما في الحساب غير المخصّص، فالبنك يمتلك الحق في تأجير الذهب لجهة خارجية، وتأخذ البنوك رسوماً على هذا النوع من الحسابات نظراً لانخفاض أسعار استئجار الذهب.
وهنا تجدر الإشارة أن البنوك لا تتعامل في النوعين السابقين من الحسابات مع كميات الذهب الأقل من ألف أونصة، ويكون غالبية المستثمرين من المؤسسات والبنوك الخاصة العاملة بالإنابة عن عملائها، والبنوك المركزية، والمساهمين في سوق الذهب، الراغبين في شراء أو اقتراض كميات كبيرة منه.
وتقوم عقود الذهب الآجلة على التزام شركة بتأمين أو استلام كمية ما من الذهب في وقت معين، وفقاً لشروط كدرجة نقاوة الذهب، وذلك مقابل سعر يتم الاتفاق عليه، وتمثّل الوديعة النقدية الخاصة بالسمسار جزءً من سعر الذهب الوارد في العقد، وهو ما يعني أن المستثمرين قادرين على التمتّع بملكية نظرية لقيمة الذهب أعلى بكثير مما يسددونه من نفقات نقدية أولية.
وتنطوي الفرص المتاحة أمام صغار المستثمرين بما يعرف بحسابات مجمع الذهب، وهي تستهدف الذين يستطيعون الاستثمار بكمية أقل من ألف أونصة ذهب، وتتمتع هذه الحسابات بفائدة محدّدة، كما تقدم “العملات الإلكترونية”، المرتبطة بسبائك الذهب، وسيلةً بسيطة ومجدية من جوانب التكلفة لشراء وبيع الذهب واستعماله كنقد لسداد الفواتير مثلاً عن عمليات الشراء عبر الإنترنت.
وتشابه برامج تراكم الذهب أو “GAPs” برامج الادخار العادية، إلا أنها تستثمر المبلغ الشهري المُدخر في الذهب، فيتم سحب مبلغ ثابت من المال بشكل تلقائي من الحساب البنكي للمستثمر شهرياً ليتم تسخيره في شراء الذهب يومياً في كل يوم تداول من أيام هذا الشهر. وتتضاءل نسبة المخاطرة في مثل هذا النوع من الاستثمار، نظراً لشراء كميات صغيرة من الذهب على مدار فترة زمنية طويلة، كما بمقدور المستثمر أن يحصل على الذهب على هيئة سبائك، مسكوكات، مجوهرات، وحتى نقداً، عند انتهاء فترة التعاقد أو لدى إغلاق الحساب.
ومن أشكال الاستثمار في الذهب أيضاً، ما يتم تداوله في بورصات الذهب بشكل أوراق مالية مضمونة بالذهب، وجميعها منتجات مالية منظّمة، بالسلع المتداولة على البورصة أو الاستثمارات المتداولة على البورصة “ETF”، ويمكن من خلالها تتبع أسعار الذهب بشكل مثالي، وتضمن الأوراق المالية بشكل كامل بذهب حقيقي، وقد لعبت دوراً محورياً في سوق الذهب في الأعوام القليلة الماضية، إذ مثّلت 32 بالمئة من من الاستثمار المسجّل، و6.5 بالمئة من إجمالي الطلب على مدى خمس سنوات وحتى عام 2008م، وفقاً لمجلس الذهب العالمي.
وتمنح ما تعرف باسم “خيارات الذهب” المستثمر الحق في بيع أو شراء كمية ما من الذهب بسعر سبق تحديده، وفي وقت متفق عليه، وتتوقف تكلفة هذا الخيار على سعر الذهب الحالي، السعر الذي تم الاتفاق عليه مسبقاً أو “سعر التنفيذ”، معدلات الفائدة، التذبذب المتوّقع في سعر الذهب، والفترة الباقية على الميعاد المتفق عليه.
وكلما كان سعر التنفيذ أعلى، صار الطلب أرخص وخيار البيع أغلى، وهو ما يشبه العقود الآجلة، فقد يوفر شراء خيارات الذهب لحامل الأسهم أرباحاً جيّدة، إلا أنه عند الفشل في الوصول إلى سعر التنفيذ، تكون خسارة حامل الأسهم محددّة بالمبلغ الإضافي المسدّد للخيار في البداية.
وحصدت بنوك عالمية أرباح طائلة من تعديل إستراتيجياتها وتحوّلها من الاستثمارات التقليدية إلى الاستثمار في مجال الذهب، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نمت أرباح بنك “سكوتيا” الكندي في الربع الأخير من العام 2009م، بنسبة 36 بالمئة، أي ما يعادل 159 مليون دولار. وسارت بنوك أخرى على نهج البنك الكندي، مثل بنكي “يو بي إس” و”إتش إس بي سي” والذي تقدر أصوله من الذهب بحوالي ألف طن.
الدول الخليجية أدركت هي الأخرى المستقبل الواعد للاستثمار في الذهب، فأخذت دول مجلس التعاون ترسّخ مكانتها على الساحة العالمية كمركز لتجارة الذهب عالمياً، وذلك مع ظهور شركات مدرجة في البورصات الخليجية، توّفر منصةً للمستثمرين، ومن بينها “معادن” و”فتيحي القابضة”، المدرجتين في السوق المالية السعودية، و”داماس” في بورصة دبي العالمية.
ويرتبط الطلب على الذهب في منطقة الخليج بطبيعة الاستخدام المرغوبة، فبالنسبة للذهب الذي يستعمل كمجوهرات فإن حجم الطلب موسمي ويتصل في الكثير من بلدان المنطقة بالأحداث والفعاليات الاجتماعية والثقافية والدينية، بينما يتوقف الطلب على الذهب بغرض الاستثمار على التوقعات السعرية، ومستويات ثبات النمو الاقتصادي.
وتأتي السوق السعودية في طليعة أسواق المنطقة من حيث حجم الطلب على الذهب بحسب “الأهلي كابيتال”، إذ شكّل الطلب على الذهب في المملكة بين عامي 2003 و2008م، ما تصل نسبته 48 بالمئة من إجمالي طلب المنطقة، وتلعب السعودية دوراً مهماً في تجارة الذهب العالمية، فبينما يبلغ متوسط الإنتاج العالمي من الذهب 1800 طن، تقدّر حصة المملكة من الواردات الخام بنسبة 3.126 طن، أي 1.57 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي.
وبالرغم من تسيّد وهيمنة المجوهرات على مبيعات الذهب في المملكة، إلا أن حجم الاستثمارات في الذهب قد نمت خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بالتوازي مع التوجهات العالمية في هذا المجال، وتزايد إدراك أهمية المعدن الأصفر كاستثمار آمن خلال الأزمات الاقتصادية، وهو ما جعل حصة ونصيب الذهب كاستثمار ترتقي من 4 بالمئة في عام 2003م إلى 11 بالمئة عام 2008م، وفقاً للأهلي كابيتال.
ويؤكد مجلس الذهب العالمي على الطلب المتزايد للاستثمار في الذهب، فارتفعت مبيعات الذهب في المملكة بنسبة 300 بالمئة في الربع الأخير من العام الماضي، وهو أعلى ارتفاع في الاستثمار بين دول منطقة الشرق الأوسط.
وتستفيد السوق الإماراتية من المبادرات الحكومية الرائدة في تعزيز مكانة الإمارة التاريخية كمركز إقليمي لتجارة الذهب، كإطلاق بورصة دبي للذهب والسلع المتعددة في عام 2002م وذلك لدفع تجارة المعادن الثمينة إلى مزيد من التطوّر والنمو، والتي تمكّنت من تسجيل تداولات بلغت 1.5 مليون عقد بقيمة 79 مليار دولار حتى نهاية 2009م، أي تحقيق معدل نمو 31.6 بالمئة وهو الأعلى منذ إنشائها.
وقطعت إمارة دبي في مجال الاستثمار بالذهب شوطاً كبيراً، من خلال تطويرها للبنى التحتية، وإنشاء مصاف جديدة ومعامل ومختبرات، وتقديم حزمة من التسهيلات والحوافز، وهو ما دفع حجم تجارة الذهب عبرها تصل إلى 14.69 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2009م، بمعدل نمو 12 بالمئة مقارنةً بالفترة ذاتها من عام 2008م.
ويعتزم مجلس الذهب العالمي إدراج الأسهم المدعومة بالذهب في بورصة أبوظبي أو الرياض خلال السنوات الثلاث المقبلة، لتصبح البورصة الثانية في الشرق الأوسط، والخامسة عشرة على مستوى العالم، التي يدرج بها السهم الذهبي.
وكغيره من الاستثمارات الأخرى، هناك آراء متضاربة بشأن استمرارية الذهب كملاذ آمن، فمع احتمالات تصاعد وتيرة نشاط المضاربات بسوق الذهب، تذهب تقارير اقتصادية أخرى إلى الاعتقاد بانخفاض كبير في الأسعار، أو عودة الاستقرار إلى أسواق الأسهم، مما سيمنح المستثمرين فرصةً لعائد مرتفع أكثر من الذهب، إلا أن حالة عدم التيّقن بوضع الاقتصاد العالمي تبقي المستثمرين يرددون: ما دمنا لا نجد مكاناً آخر نذهب إليه، فلنشتر الذهب.


  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google
  • description
  • Furl
  • LinkaGoGo
  • MisterWong
  • MySpace
  • Simpy
  • Socialogs
  • StumbleUpon
  • TwitThis
  • Yahoo! Buzz

:تابع القراءة 1 2 3

قيم المقال
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (0 votes)
Loading ... Loading ...
نشرت في تاريخ الْخَمِيس, فبراير ١١ام, ٢٠١٠

:وسوم الذهب...زينة وخزينة، ملايين، استثمارات بديلة، أزمة مالية، اقتراحات للمستثمرين


تصنيفات استثمارات، الإمارات، السعودية، تسويق، عقارات، مؤشرات.
بإمكانك متابعة هذه المقالة عبر ملخصات آر اس اسRSS 2.0
*الإسم
*البريد الإلكتروني
عنوان البريد الألكتروني لن يظهر لبقية القراء
*العنوان
*التعليق
ارسل لي تنبيهات على بريدي الألكتروني حول اي رد على تعليقي 
 
الحقول التي يوجد بجانبها علامة النجمة * اجبارية