هل تحولت “التحذيرات الصحية” إلى أسلوب تسويقي؟

بالرغم من ارتفاع مستوى الوعي بأضرار التدخين، وسعي الحكومات إلى إصدار قوانين تمنع التدخين في المرافق العامة، إلا أن ذلك لم يؤثر على صناعة السجائر.

هل تحولت “التحذيرات الصحية” إلى أسلوب تسويقي؟

دبي- ناورز خليل
بحسب تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، حيث دق التقرير ناقوس الخطر على الصعيد العالمي بتوقعات تشاؤمية تشير إلى ارتفاع الإنتاج العالمي من التبغ إلى 7.1 ملايين طن في عام 2010 وعدد المدخنين إلى ما يقارب 1.3 مليار.
ونتساءل هنا، هل لإعلانات التدخين يد في هذه الأرقام المخيفة، وهل حان الوقت لتطبيق منعها في مختلف وسائل الإعلام؟
شهدت السنوات العشر الماضية تغيرات جذرية في سياسات الشركات المنتجة للسجائر، حيث بدأت هذه الشركات تفكر بمتطلبات المستهلكين المتزايدة مع استمرار الإنفاق الإعلاني في مختلف وسائل الإعلام، وترافق ذلك مع صرخات استغاثة من المنظمات الصحية تطالب الحكومات بمكافحة التدخين، أو على أقل تقدير التدخل الفوري لوقف إعلانات السجائر.
لم يحدث أي تغيير وبقيت مختلف وسائل الإعلام تتعامل مع السجائر وكأنها سلعة لا تختلف عن غيرها من السلع التي تروّج لها.

التجربة الإعلانية الأمريكية
انطلقت رحلة الاحتجاجات على إعلانات التدخين عالمياً في عام 1986 من الولايات المتحدة الأمريكية بطلب تقدمت به منظمة الصحة الأمريكية تطالب فيه الحكومة الأمريكية الفيدرالية بإصدار قانون يمنع ظهور إعلانات التدخين في المجلات والتلفزيون واللوحات الإعلانية.
لاقت هذه المبادرة ترحيباً واسعاً في صفوف المؤسسات الصحية والمثقفين، وتطور الأمر إلى تمرير مشروع هذا القانون إلى وزير الصحة الأمريكي للمصادقة عليه وطرحه للتصويت أمام مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكي.
وساهمت عوامل كثيرة في كسب التأييد الجماهيري لهذا المشروع وأهمها طبيعة إعلانات التدخين، حيث تجاهل مسوقو هذا السم القاتل عقل المستهلك، وباتوا يرددون في إعلاناتهم عبارات رنانة ومقاطع تُصوّر متعة التدخين.
تمكنت الحملة التي شنها أنصار مكافحة إعلانات التدخين من تسجيل هدف الشرف والذي تمثل بإجبار الهيئة الاتحادية الأمريكية الشركات المنتجة للسجائر على إضافة تحذير صحي لأضرار التدخين مع إظهار نسبة النيكوتين والقطران.
استغلت الشركات المصنّعة للتبغ هذا الإنجاز المتواضع وسخرته لخدمة أغراضها التسويقية، حيث تحولت هذه التحذيرات الصحية إلى أداة في أيدي الشركات العملاقة في ميدان صناعة التبغ والتي تنتج أكثر من نوع واحد من السجائر، واستغلتها أبشع استغلال بترويج نوع معين من السجائر على حساب نوع آخر متواضع المبيعات بحجة أن النوع الأول يحتوي نسبةً أقل من القطران والنيكوتين والمواد الأخرى المضرة بالصحة.
كما استفادت الشركات من هذا القانون أيضاً في الارتقاء بمستوى التصميم الخاص بعلب السجائر، وابتكار طرق في طباعة التحذير الصحي بأسلوب قد يجذب المستهلكين أكثر من أي وقت مضى.

اللعب بعقول المستهلكين
تستهدف الحملات الإعلانية لشركات التبغ المراهقين في الدرجة الأولى ولكن لماذا؟
قد تكون الإجابة على هذا السؤال طريفةً ومنطقيةً في نفس الوقت، وهي أن هذه الشركات تريد استبدال المستهلكين الذين ماتوا جراء التدخين بمستهلكين جدد يتمتعون بصحة جيدة.
ولا تُخفي الشركات العاملة في صناعة التبغ هذه النيّة، ففي عام 1981 تسربت وثائق من شركة “فيليب موريس” والتي تعتبر أكبر شركة منتجة للسجائر في العالم تقول: “إن المراهقين هم مستهلكو منتجاتنا في المستقبل، والغالبية العظمى من المدخنين يبدأون بممارسة التدخين في سن المراهقة”.
يكتشف مشاهد إعلانات السجائر بشكل لا يقبل الجدل استهدافها للمراهقين من خلال أفكار ومصطلحات قريبة من هذه الفئة العمرية وتطلعاتها مثل الاستقلالية والحرية وغيرها الكثير.
لقد وصلت هذه الإعلانات إلى مرحلة خطيرة باستغلالها الرخيص لنفسية المراهق الباحث عن الهوية والاعتماد على الذات، فإعلان شركة “مارلبورو” الشهير الذي يصوّر رجلاً مفتول العضلات، يعتمد على نفسه ويجد حلولاً مناسبةً لمعضلات تواجهه قد يمر مرور الكرام على المشاهدين ومنهم المراهقون، إلا أن تأثيراته المدمرة قد تتمثل بتعلق ذهن المشاهد المراهق بهذه الصورة – أي الرجل القوي وصاحب المبادرة- وتتأصل في اللاوعي وتظهر في النهاية بتدخين السجائر.

النساء في خطر!
لا تغيب المرأة عن اهتمامات شركات التبغ نظراً لارتفاع نسبة المُدَخِنات في العالم، فحسب إحصائية صادرة عن منظمة الصحة العالمية بلغت نسبة المُدَخِنات 12 في المئة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى 20 في المئة بحلول عام 2025.
تأتي هذه الأرقام المخيفة نتيجة استغلال إعلانات السجائر للمرأة بعرض صورة نساء جذابات عصريات يدخنّ كنوع من البرستيج.
وتلعب هذه الإعلانات في بعض الأحيان على الوتر الحساس عند المرأة وهو عنصر الجمال فتربط رشاقة المرأة بالسجائر الرفيعة “Slim”.

استغلال الرياضة
تواصل شركات التبغ زحفها الإعلاني المدمر بدخول ميادين إنسانية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالصحة والإبداع مثل الرياضة، حيث تلجأ بعض هذه الشركات إلى تجميل صورتها أمام الرأي العام من خلال رعايتها للأحداث الرياضية العالمية المتنوعة.
وتشير التقديرات إلى إنفاق شركات التبغ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ما يزيد عن 150 مليون دولار أمريكي سنوياً عبر رعايتها للرياضات المتنوعة وفي مقدمتها سباقات السيارات. وتركز شركات التبغ على رعاية الرياضات التي تتمتع بشعبية كبيرة وخصوصاً بين صفوف المراهقين مثل سباقات السيارات والقوارب السريعة، والروكبي والسنوكر.
ومن الأمثلة الجيدة عن التأثير السلبي لرعاية شركات التبغ للأحداث الرياضية، ما حدث في الهند عام 1996، وهو نفس العام الذي قامت فيه الشركة الهندية التابعة لمجموعة التبغ البريطانية الأمريكية برعاية كأس العالم للكريكت، وكانت المفارقة الغريبة أن هذا العام شهد ازدياد عدد المدخنين الهنود خمسة أضعاف!.

الإعلان غير المباشر
في ضوء الضغوط التي تتعرض لها شركات التبغ لوقف إعلاناتها في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وجدت هذه الشركات ثغرةً تمكنها من الاستمرار ببث سمومها وذلك عن طريق تسويق علامتها التجارية من خلال منتجات أخرى تحمل علامة تجارية مشتركة مثل ملبوسات “Marlboro Classics” وأحذية “Camel” ومتاجر “Salem Power Station” الموسيقية المتنوعة.


  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google
  • description
  • Furl
  • LinkaGoGo
  • MisterWong
  • MySpace
  • Simpy
  • Socialogs
  • StumbleUpon
  • TwitThis
  • Yahoo! Buzz
قيم المقال
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (0 votes)
Loading ... Loading ...
*الإسم
*البريد الإلكتروني
عنوان البريد الألكتروني لن يظهر لبقية القراء
*العنوان
*التعليق
ارسل لي تنبيهات على بريدي الألكتروني حول اي رد على تعليقي 
 
الحقول التي يوجد بجانبها علامة النجمة * اجبارية