المصدر: مجلة صانعو الحدث
لم تعد منتجات التجميل والعناية الشخصية كما كانت في الماضي، نوعاً من الكماليات الاستهلاكية، حيث تحوّلت إلى منتجات ضرورية، يعكف الكثيرون على شرائها، ومتابعة جديدها بشكل دوري.
وبعد أن كانت النساء محور اهتمام الشركات العاملة في ميدان صناعة منتجات التجميل والعناية، لفترة طويلة من الزمن، عدّلت هذه الشركات من خططها الإستراتيجية، بعد دخول المستهلك الرجل على الخط، فأخذت تدرس بجدية، الفوائد المحتملة من هؤلاء، الذين يشكّلون نسبةً كبيرةً من المجتمع الاستهلاكي.
فهيمنة النساء المطلقة على القطاع، انتهت بقرار من المستهلك الرجل المعاصر، الذي أقدم على اقتحام هذا العالم، رغبةً منه في تجميل مظهره، مدعوماً بترسانة من مستحضرات التجميل، التي أصبحت تملأ رفوف المتاجر.
وولّت الأيام التي كان فيها اهتمام الرجل بمظهره محصوراً بثلاثة منتجات رئيسية وهي، معجون الحلاقة والشامبو وسائل الاستحمام، ليضاف إليها عدد كبير من المنتجات كإخفاء الهالات السوداء تحت العينين، وترطيب البشرة، ومثبتات الشعر، وكريمات الحماية من أشعة الشمس، وغيرها الكثير.
وتصف شركات عاملة في حقل الأبحاث التسويقية النمو المضطرد الذي تمر به مبيعات هذه المنتجات، بأنها تتم بوتيرة أسرع عند مقارنتها بقطاع منتجات التجميل النسائية، حيث تتوقع هذه الشركات أن يبقى مؤشر مبيعات هذه الفئة من المنتجات ملوّناً بالأخضر خلال السنوات القادمة.
فأحدث تقارير شركة “يورو مونيتور إنترناشيونال”، يتوقع أن تصل قيمة هذه السوق في عام 2011م، 25 مليار دولار، بعد أن سجلت في العام المنصرم 21.7 مليار دولار، وبنسبة زيادة 11.3 بالمئة، مقارنةً بمبيعاتها في عام 2008م.
كما يتوقع التقرير أن تحقق سوق المحيط الهادئ، طفرةً من حيث إقبال المستهلكين الرجال على منتجات التجميل، إذ ستبلغ مبيعاتها في عام 2011م، أربعة مليارات دولار، بينما سيصل هذا الرقم إلى 2.5 مليار دولار في سوق أوروبا الشرقية.
إذاً نمو وتوّسع، هذا هو لسان حال منتجات التجميل الرجالية عالمياً، ولكن ماذا عن السوق الخليجية التي ظلّت حتى وقت قريب تؤمن بأن سلاح الرجل للاعتناء بمظهره، ينحصر بمعجون الحلاقة وجيل الشعر والعطورات؟.
إن ترسيخ مفهوم العناية بالمظهر لدى الرجال في المنطقة ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق، إلا أن ما يجري على أرض الواقع يبشّر بمستقبل واعد لمنتجات التجميل، وهو ما أشارت إليه شركة “نيلسن” المتخصّصة بأبحاث السوق، حيث بلغت نسبة اهتمام الرجال عالمياً بهذه المنتجات 78 بالمئة، في الوقت الذي كانت النسبة في الشرق الأوسط وإفريقيا 74 بالمئة، في دلالة واضحة على تنامي دورها بين أوساط الرجال.
إحصائيات شركة “إيبوك ميسي فرانكفورت”، والتي تنظّم معرض “بيوتي ورلد الشرق الأوسط”، جاءت بنتائج توّثق تلك التي نشرتها شركة “نيلسن”، وتنبّه العاملين في هذه الصناعة إلى أن الرياح مواتية أمام منتجاتهم، نظراً لتخصيص رجال المنطقة المزيد من الوقت والمال للاعتناء بمظهرهم، بدءاً من شراء منتجات العناية بالبشرة، وانتهاءاً بعمليات التجميل.
تعد الأرقام السابقة كبيرةً نسبيةً، إلا أن المسوّقين يرون بوجود المزيد من الفرص للارتقاء بهذه الأرقام، وحول هذه النقطة تقول مايا عيتاني، مساعد مدير المنتج لدى نيفيا للرجال: “إن تثقيف الرجال هو المفتاح الأساسي للنمو والازدهار في الوقت الراهن لقطاع منتجات التجميل والعناية الشخصية. فالكثير منهم يجهل وجود منتجات إضافية يمكن استخدامها كما هي الحال في الحلاقة، حيث يستطيع الرجال الاستفادة من منتجات على غرار بلسم ما بعد الحلاقة، ومستحضرات الترطيب”.
أما براكاش نيدونجادي، مدير التسويق لدى”جيليت”، فيرى أن هناك ثلاثة عوامل ستساعد على تألق منتجات التجميل والعناية الشخصية الخاصة بالرجال، ويوّضح ذلك بالقول: “من الضروري أن تكون المنتجات عالية الجودة، بالإضافة إلى الحضور التجاري القوي، والتواصل المناسب مع المستهلكين الرجال في هذا الجزء من العالم”.
وبينما يمضي الرجال في استخدام منتجات التجميل، لا يناقش هؤلاء غالباً مزايا وفوائد هذه المنتجات مع نظرائهم من الرجال، حيث يرفض كثيرون الإفصاح عن استخدامهم لمثل هذه المنتجات، أو يخجلون من شرائها، ليستعيضوا عنها بمنتجات التجميل الخاصة بنسائهم أو أخواتهم بدون علمهنّ.
يضع محمد عرب، مدير منتج “فيتشي”، مسألة الحرج من الحديث عن منتجات التجميل الرجالية، على رأس التحديات التي تواجه شركات التجميل في المنطقة، ويبيّن ذلك قائلاً: “لا يزال استخدام الرجال لمنتجات العناية بالبشرة موضوعاً حساساً نسبياً في المنطقة. ولقد اكتسب هذا الموضوع المزيد من الزخم خلال السنوات الأخيرة، نتيجةً لتغيّر نظرة المستهلك، الذي يتم تثقيفه حول إيجابيات العناية بالبشرة”.
وبعيداً عن مسألة الحرج، يقع على عاتق المسوّقين جعل استخدام منتجات التجميل الرجالية عملاً روتينياً، فالكثير من الرجال يشترون منتجات عناية متخصّصة إلا أنهم لا يقوم باستعمالها باستمرار، وهذه الحالة بالطبع تختلف من بلد لآخر، فالمهمة في السوق الإماراتية مثلاً هي أسهل من غيرها، وذلك لوجود نسبة عالية من المستهلكين الذين يدركون معنى واستعمالات منتجات التجميل الخاصة بالرجال.
يضيف عرب: “نحاول أن نساهم في تعزيز الوعي حول المشاكل التي تواجه البشرة والشعر لدى الرجال، وإمكانية الحلول المتاحة. وكذلك، فإننا نستخدم مختلف الطرق البصرية لجذب انتباههم. كما نقوم بتدريب الصيادلة على مستحضرات التجميل الخاصة بنا ومزاياها، كي يكونوا قادرين على تقديم التوصيات المثالية”.
وتجمع شركات منتجات التجميل والعناية الرجالية على أن السوقين الإمارتية والسعودية، تشكلان المفتاح الذهبي لهذه الصناعة، فبحسب دراسة شركة “نيلسن”، تبلغ حصة السعودية من هذه السوق 44 بالمئة، بينما تصل النسبة في السوق الإماراتية إلى 18 بالمئة.
وعلى ما يبدو، فإن إقناع الجيل الشاب من سكان الخليج، بتجربة منتجات التجميل الرجالية ستكون أسهل من المحاولة مع الجيل الأكبر سناً، ليكونوا بذلك في مقدمة أجندات الشركات المُصنّعة لهذه المنتجات.
تقول عيتاني: “يظهر الرجال بين عمري 25 و45 عاماًَ، اهتماماً أكبر بشراء مجموعة واسعة من هذه المنتجات بدءاً من غسول الوجه، وحتى منتجات ما بعد الحلاقة”.
وتضيف: “يعتبر كريم الحلاقة من أكثر المنتجات مبيعاً ضمن أصناف منتجات العناية الشخصية، كما يحظى بلسم ما بعد الحلاقة أيضاً بإقبال كبير من قبل المستهلكين في منطقة الشرق الأوسط. وبالرغم من أن حصة منتجات العناية بالوجه، تبقى متواضعةً في المنطقة، إلا أنها تحقق معدلات نمو عالية، تصل إلى 40.2 بالمئة”.
ويتفق العاملون على تسويق منتجات التجميل والعناية الشخصية الرجالية، على أن معظم عمليات الشراء الخاصة بهذه المنتجات، تجري في المتجر، وهو ما يجعلها تتسابق في إبراز ما لديها بشكل مميز، يستقطب انتباه المستهلكين.
يقول نيدونجادي: “تؤمن جيليت بأن اللحظة الحاسمة في قرار المستهلك الشرائي لمنتجات العناية الشخصية والتجميل تتم في المتجر. ولذلك، تهتم جيليت بتواجدها وترتيب وضع منتجاتها، وأسلوب ظهورها، داخل المتاجر. كما نعمل على تأكيد إيصال مزايا منتجاتنا الرئيسية على العبوات المعروضة في نقاط البيع”.
وبحسب عيتاني، فإن قضاء المستهلك الرجل لوقت أقل خلال عملية التسوّق، مقارنةً بالمرأة، وكذلك الحال مع قراءة النشرات والمواد التسويقية الخاصة بالمنتجات، يمثل تحدياً بالنسبة للمسوّقين: “على المسوّقين أن يلفتوا انتباه المستهلكين بسرعة إلى جديد منتجاتهم، وعليه فإننا نحاول دائماً ضمان أن تكون مساحة الرفوف المخصّصة لعرض منتجاتنا في المتاجر كبيرة، كما قمنا مؤخراً بإعادة إطلاق علامتنا التجارية، كي تحظى بمظهر ملفت بين باقي المنتجات المنافسة”.
تحد آخر يضاف إلى قائمة الصعوبات التي تواجه مسوّقي منتجات التجميل والعناية الشخصية الرجالية، ألا وهو عائق الوصول إلى المستهلكين عبر وسائل الإعلان التقليدية.
فالرجال في المنطقة يقضون ساعات طويلة في أماكن عملهم، ليعودوا إلى منازلهم في المساء لمتابعة القنوات الفضائية، ولا تعنيهم غالباً الإعلانات التجارية التي تبثها هذه القنوات.
المجلات المتخصّصة بالشؤون الرجالية في المنطقة، لا تعد بدورها من الوسائل الجذابة، وذلك لافتقارها إلى نوعية مواضيع ومقالات، قادرة على جذب القراء، والذين يفضلون في معظم الأحيان اختيار مجلات بلغات أجنبية.
أدركت العديد من العلامات التجارية لضرورة التغيير في خريطتها الإعلانية والتسويقية فيما يتعلق بمنتجات التجميل والعناية الشخصية الرجالية، فأدخلت بعضها الإنترنت والهاتف المتحرك، لملاءمتهما لجيل الشباب على وجه التحديد.
وترك خوض نجوم رياضيين بارزين، تجربة الإعلانات والحملات التسويقية لماركات شهيرة، ترعى منتجات الزينة الرجالية، أثراً كبيراً في تزايد الاهتمام بالشكل والمظهر، وإقبال الرجال على هذه المنتجات.
فالارتباط العلامة التجارية بالأحداث والفعاليات الرياضية فوائد كثيرة، كرسم صورة مغايرة لمنتجات التجميل الخاصة بالرجال، بوصفها أكثر ديناميكية، وبأنها تناسب مفتولي العضلات والرياضيين، وهو ما استثمرت فيه “جيليت” كثيراً، بتعاونها مع مشاهير، مثل روجر فيدرير وتايغر وودز وتيري هنري.
وتؤمن علامات تجارية كثيرة بالمبدأ التسويقي القائل: “إذا لم يأتِ المستهلك إليك، فعليك أن تذهب إليه”، حيث برعت كل من “نيفيا” و”جيليت” في هذا الميدان من خلال برامج رعاية الفعاليات، والعروض الجوّالة في الشوارع.
فعلامة “نيفيا”، سبق لها أن رعت بطولة التحمّل، والتي تستضيفها حلبة “دبي أوتودروم”، كما قدمت عينات تجريبية مجانية في بطولة دبي المفتوحة للتنس.
“جيليت” بدورها تقوم بإنتاج برنامج “عالم جيليت الرياضي” لعدة سنوات حتى الآن، هذا إلى جانب رعاية كأس العالم لكرة القدم لأكثر من أربعين عاماً.
وكانت لجيليت تجربة فريدة من نوعها أيضاً في المنطقة عام 2007م، للتواصل مع المستهلكين، من خلال فكرة باص تفاعلي، ضمّ تجهيزات صوتية، بالإضافة إلى ألعاب كسباقات للسيارات وكرة قدم، وشملت رحلته كلاً من الإمارات والمملكة العربية السعودية على مدار شهر كامل.
ووصفت “جيليت” فكرة الباص بأنها محاولة لمخاطبة جانب النقص في ثقافة المستهلك المتعلّقة بمنتجات العناية الشخصية في المنطقة، وذلك من خلال تمكين المستخدمين من تجربة واختبار منتجات الحلاقة، والاطلاع على نصائح خبراء في هذا المضمار.
قد تكون ثقافة التجميل عند الرجل إقليمياً خجولةً بعض الشيء، إلا أن هذا لا يقلّل من شأن طفرة سوق التجميل للرجال في الخليج العربي، تلك السوق التي تتسم بمزايا قد لا تتوفر في أسواق أخرى، مثل الدخل المرتفع لسكانها، والنسبة المرتفعة للفئات العمرية الشابة بين مواطنيها.