“روش” السويسرية… الرابح الأكبر من إنفلونزا الخنازير

يعيش العالم منذ شهر أبريل الماضي، حالة من الخوف والذعر، جراء مخاوف من انتشار فيروس "إنفلونزا الخنازير"، وتحوّله إلى وباء يفتك بالبشرية. وحظي الإعلان عن الفيروس بتغطية إعلامية غير مسبوقة، في الوقت الذي رأى فيه كثيرون مسعى لتحقيق كسب غير مشروع، من جانب الشركات المُصنّعة للأدوية، وفي طليعتها شركة "روش" السويسرية.

“روش” السويسرية… الرابح الأكبر من إنفلونزا الخنازير

تزامن انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير مع بلوغ الأزمة المالية العالمية ذروتها، الأمر الذي سبب صدمة مضاعفة للاقتصاد العالمي في عام 2009م. فظهور فيروس “H1N1″، وانتشاره السريع عبر مختلف بقاع الكرة الأرضية، قد أدمى جسد الاقتصاد الدولي، إذ أن تقديرات صندوق النقد الدولي، تشير إلى أن هذا الفيروس قد يكلّف العالم أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، وأن يخفّض من معدل نمو الناتج المحلي العالمي بنسبة 5 بالمئة، بينما قدّرت دراسات أخرى أكثر تشاؤماً للبنك الدولي، الخسائر المتوّقعة في حال تفشي المرض على نطاق أوسع، بأكثر من الرقم الذي صرّح به صندوق النقد الدولي بكثير.
ومع الإعلان عن ظهور أول إصابة بالفيروس، دخلت مختبرات شركات الأدوية العالمية في سباق مع الزمن، بغية التوّصل إلى لقاح يوقف انتشار هذا المرض، واستفادت هذه الشركات من الاندفاع العالمي نحو تأمين عقاقير مضادة للفيروس، مسجلةً إيرادات خيالية، لتحلّ الأرباح غير المسبوقة لهذه الشركات مكان الخسائر المتوّقعة جراء الكساد.
وتأتي شركة “روش” السويسرية، على رأس هرم المستفيدين من انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير، حيث شهدت أسهم الشركة منذ الإعلان عن إنتاجها للقاح “التاميفلو”، كما شهدت مبيعاتها في الربع الثالث من العام المنصرم نمواً بنسبة 9.7 بالمئة، وبلغت خلال ذلك الربع 12.24 مليار دولار.
وقامت الشركة بتعديل توقعاتها فيما يتعلّق بمبيعاتها من عقار “التاميفلو” في عام 2009م، من 2 مليار فرنك سويسري إلى 2.7 مليار فرنك، معربةً عن تفاخرها بقطاعي الأدوية ومستحضرات ومعدات التشخيص الطبي، والذي حققّ نمواً فاق معدلات أداء الأسواق.
يعود تاريخ شركة “روش” إلى عام 1896م، حيث قام فريتز هوفمان لاروش بتأسيسها، كشركة متخصّصة في ميدان إنتاج مشتقات الفيتامينات. وفي العام 1934م، أصبحت الشركة أول منشأة صناعية تقوم بتصنيع “الفيتامين سي” لأغراض تجارية، تحت اسم العلامة التجارية “ريدوكسون”، وابتكرت في العام 1957م، صنف المسكّنات المعروف باسم “بينزوديازبينس” بالإضافة إلى “الفاليوم”.
وواصلت الشركة إبداعاتها الصيدلانية، فقامت في العام 1904م، بإطلاق دواء “ديغالين” للقلب، وأتبعتها في العام 1909م بمسكّن الآلام “بانتوبون”، واللذين اعتبرا من الابتكارات الدوائية المميزة في ذلك الوقت.
وتتنوّع العلاجات التي تطوّرها الشركة بين أدوية لأمراض فقر الدم، القلب والجهاز الدموي، اختلالات الجهاز العصبي، الأمراض الجلدية، الالتهابات، الأمراض المُعدية، التغذية والسُمنة، السرطان، الأمراض النفسية ومقاومة الفيروسات.
لمع بريق شركة “روش” بشكل استثنائي مؤخراً، وذلك مع انتشار مرضي “السارس” و”إنفلونزا الطيور” بين عامي 2003 و2005م، حيث أعلنت الشركة عن ابتكارها لجهاز مخصّص لاختبار فيروس السارس، وبأنها ستبيع المنتج بسعر يتراوح بين العشرة و15 دولاراً.
ودقّ انتشار فيروس إنفلونزا الطيور “H5N1″، ناقوس الخطر عالمياً، مجبراً البنك الدولي على اعتماد خطة تمويل إستراتيجية لمكافحة الفيروس، قدّرت قيمتها بمليار دولار، وتمتد على مدى ثلاث سنوات.
وهنا جاء دور “روش” مرةً أخرى، إذ قدمت الشركة للعالم دواء “التاميفلو”، بوصفه أفضل عقار لمعالجة فيروس إنفلونزا الطيور، وهو ما ساهم في تعزيز وضع الشركة، ورفع احتياطيها النقدي، حيث تضاعفت مبيعات العقار في أكتوبر 2005م، إلى ما يقارب 214 مليون دولار، مقارنةً بذات الفترة من عام 2004م، في الوقت الذي بيّنت فيه الشركة عن استعدادها لتزويد دول العالم بمئة مليون كبسولة من الدواء سنوياً.
وواصلت الشركة نموها الصاروخي في العام 2006م، لتحطم أرقاماً قياسيةً من ناحية المبيعات، إذ تخطى حجم نمو قطاع الدواء في الشركة حاجز 21 بالمئة في العام المذكور، أي ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف حجم النمو العادي في سوق المستحضرات الطبية عالمياً.
ولعلّ جمع العديد من الحقائب العلاجية المتخصّصة، هو أهم أسرار نجاح الشركة، فبعد تألق الشركة في تصنيع أول عقار للحدّ من انتشار سرطان الدم، طوّرته ليصبح مناسباً لعلاج نوع آخر من السرطان، ثم قدمت الشركة المنتجين في باقة واحدة لعلاج المراحل الأولى للأورام الخبيثة. وكذلك فعلت الشركة في علاج هشاشة العظام، حيث طوّرت دواءاً لعلاج المرض، وألحقته بعقار يعالج القصور في عمليات التمثيل الغذائي في الجهاز الهضمي، والتي تؤدي إلى ظهو أمراض مختلفة في الأمعاء والدم.
وتتمتع “روش” بمركز أفضل من الشركات المنافسة لها نظراً للأدوية المتخصّصة التي تنتجها، كتلك الخاصة بالسرطان، فمثل هذه الأدوية ذات أسعار مرتفعة، وتتطلب عمالة صغيرة نسبياً من ناحية المبيعات، وتستوفي القواعد التي تفرضها الوكالات المسؤولة عن التعويضات.
وتحظى مسائل الأبحاث والتطوير بأهمية كبيرة في أجندة شركة “روش”، وذلك إدراكاً منها لدورها المؤثّر في زيادة تنافسية الشركة، وتأتي الشركة في هذا المجال في المركز الرابع عالمياً من حيث الإنفاق على هذه الأبحاث بحسب “الإيكونوميست”، وذلك برفعها لحجم الإنفاق على هذا القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية بنسبة 50 بالمئة.
تغيير أسلوب “روش” فيما يتعلق بعمليات الاستحواذ كانت له نتائج إيجابية، فالشركة التي أيّدت لفترة طويلة من الزمن، نموذج الملكية المستقلة، والإدارة المسؤولة عن فروع محدّدة، غيّرت من أسلوبها، فقامت في العام الماضي بشراء 44 بالمئة من أسهم مجموعة “جينيتك” الأمريكية، في صفقة بلغت قيمتها 46.8 مليار دولار، لتستحوذ بشكل كامل على الشركة ذات الباع الطويل في مجال صناعة أدوية السرطان، وهو ما سيمكّن الشركة السويسرية من تطوير خط إنتاجها، ودعم برامج الابتكار الخاصة بها، وتشكيل سابع أكبر كيان صيدلاني في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحقيق عائدات تصل إلى 17 مليار دولار، بحسب البيان الصحفي الصادر عن الشركة.
وبالاستحواذ على “جينيتك” تكون “روش” قد تخلصت مع عقدة الخسائر التي منيت بها في السوق الأمريكية في الفترة الواقعة بين عامي 2002 و2003م، بسبب فضيحة الفيتامينات والتي اشتعلت في عام 1999م، بعد اتهامات من جانب وزارة العدل الأمريكية لروش بأنها ضالعة في عملية احتكار متطوّرة، لتثبيت أسعار الفيتامينات في الأسواق العالمية، بمعدل 25 بالمئة، أعلى من مستوى السعر السوقي.
ولا يخلو تاريخ “روش” من مثل هذه الممارسات، ففي عام 1997م، دفعت الشركة 14 مليون دولار، كغرامة لتورطها في تثبيت أسعار حامض الستريك ومادة الليسين، وهي مواد تدخل في صناعة المواد الغذائية.
وكذلك، فإنه وبالرغم من المبيعات الهائلة التي سجّلتها “روش” لعقار “التاميفلو”، يدور جدل واسع حول فاعلية اللقاح، فهناك انقسام في الآراء بين مؤيد يرى فيه وصفةً سحريةً ناجحةً في علاج المرض، وبين من يطالب الشركة ببراهين تثبت فعاليته.
ويعتقد كثير من الباحثين أنه من المبكّر جداً استخدام اللقاح على نطاق واسع، متذرعين في ذلك بأنه لم يتم اختبار نتائج المنتج بشكل كافٍ، ولم تقدم الشركة المنتجة أدلةً كافيةً حول مقدرة التاميفلو في كبح جماح الفيروس من جهة، وعدم إحداثه لمضاعفات خطيرة في الجسم.
وتلمّح تقارير صحفية إلى أن الأبحاث التي نفذّت حول آلية عمل مادة “أوسيلتاميفير”، والتي تدخل في تركيب اللقاح، قد موّلتها شركة “روش”، وبأن “إدارة الغذاء والدواء الأمريكية”، قد شككت بفعالية اللقاح، عندما صادقت على استعماله في الأسواق.
وعلى نحو مماثل، أظهرت دراسة بريطانية أن أكثر من نصف الأطفال الذي يتعاطون عقار التاميفلو، يعانون من آثار جانبية أبرزها الشعور بالغثيان بنسبة 29 بالمئة، والإحساس بآلام وتشنجات في المعدة بنسبة 20 بالمئة، بالإضافة إلى مشاكل في النوم بنسبة 12 بالمئة، كما عانى واحد من بين خسمة أطفال من أعراض عصبية كعدم القدرة على التركيز ورؤية الكوابيس أثناء النوم، إلا أن وزارة الصحة وهيئة تنظيم الرعاية الصحية والدوائية البريطانية، سارعت إلى التشكيك بمصداقية الدراسة، مبيّنةً أن الدواء آمن، وبأنه يجب المفاضلة بين فوائد علاج الأعراض المبكرة لمرض إنفلونزا الخنازير ومخاطر الآثار الجانبية.
ويحمل العالم الأمريكي ليونارد هورويتز، المتخصّص في مجال الأمراض الناشئة والصحة العامة، راية الهجوم على شركة “روش”، فهو من المؤيدين لنظرية الحرب البيولوجية، والذي نادى به في كتابه الشهير “الفيروسات الناشئة الإيدز والإيبولا هل هي طبيعية أم بالصدفة أم متعمدة؟” في العام 1996م.
وكان هورويتز قد صرّح عبر العديد من وسائل الإعلام، بأنه قد تقدم بإفادة أمام الكونغرس الأمريكي حول سلبيات اللقاح، وبأن المرض قد تم تصنيعه مخبرياً، إلا أن المجلس عتّم على الموضوع، نظراً لوجود مجموعات ذات مصالح خاصة في الكونغرس، يؤثرون على التشريعات.
ويتهم هورويتز شركة “روش” بأنها لا تذكر جميع المكونات التي تدخل في تركيب الدواء، ويلمّح إلى وجود عناصر تسبب على المدى البعيد أمراضاً خطيرةً مثل السرطان، وانهيار نظام المناعة في الجسم، فضلاً عن الزئبق والذي يتسبب بتأثيرات سلبية كثيرة على الجهاز العصبي.
ووفقاً لرواية هورويتز، فإن اللقاح الخاص بفيروس إنفلونزا الخنازير، يحتوي على عناصر ذات تأثيرات أخطر من الفيروس بحد ذاته كمادة “السكولين”، والتي سبق للكونغرس الأمريكي أن أخضعها للمراقبة، وذلك على خلفية استخدامها لدى المحاربين الذين شاركوا في حرب الخليج، ضمن اللقاح الخاص بالجمرة الخبيثة، وأدت إلى تراجع أداء نظام المناعة لدى القاتلين، لينتهي بهم الأمر بتطوّر أمراض ذات مقاومة.
وينفي هورويتز أن تكون شركات الأدوية قد اختبرت فعالية الدواء على المدى الطويل، مؤكداً غياب آليات الرقابة للتعرّف على المرضى الذين اختبروا التطعيم في مراحله التجريبية.

المصدر: مجلة صانعو الحدث


  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google
  • description
  • Furl
  • LinkaGoGo
  • MisterWong
  • MySpace
  • Simpy
  • Socialogs
  • StumbleUpon
  • TwitThis
  • Yahoo! Buzz
قيم المقال
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (0 votes)
Loading ... Loading ...
نشرت في تاريخ الأرْبِعَاء, يناير ١٣ام, ٢٠١٠

:وسوم "روش" السويسرية... الرابح الأكبر من إنفلونزا الخنازير، روش، فضائح شركات الأدوية، انفلونزا الخنازير، تاميفلو


تصنيفات تسويق، شركات عالمية، مؤشرات.
بإمكانك متابعة هذه المقالة عبر ملخصات آر اس اسRSS 2.0
*الإسم
*البريد الإلكتروني
عنوان البريد الألكتروني لن يظهر لبقية القراء
*العنوان
*التعليق
ارسل لي تنبيهات على بريدي الألكتروني حول اي رد على تعليقي 
 
الحقول التي يوجد بجانبها علامة النجمة * اجبارية