وعلى أية حال، يبدو أن العديد من المدراء يعتقدون بأن أفضل طريقة للتقييم تكمن في تحديد نقاط الضعف لدى الموظفين، وأن التركيز على الثغرات في أداء الموظف وكيفية التعامل معها، سيؤدي إلى الارتقاء بكفائته وأدائه. لذلك، فإنه ليس من المستغرب أن تشكل عملية التقييم مصدر قلق ورعب بالنسبة للكثير من الموظفين، بل ومديريهم أيضاً. وفي كثير من الأحيان، يتم التركيز على مجالات التطوير ذاتها عاماً بعد عام، وبذلك، بدلاً من أن تكون هذه العملية بمثابة حافز قوي للأداء، فإنها قد تترك لدى الموظفين شعوراً بالإحباط والخيبة نتيجة التركيز المستمر على إخفاقاتهم. كما أن التركيز على ما حدث في الماضي لا يشكل أيضاً طريقة مثلى لإجراء عملية التقييم، حيث ينبغي على المدير أن يخصص نحو 30 بالمئة من الوقت فقط لمناقشة أحداث الماضي و70 بالمئة للتحدث عن الأداء في المستقبل. فتخصيص وقت طويل للحديث عن ما حدث بالفعل، يجعل نبرة الصوت تحمل طابع التوبيخ، في الوقت الذي يجب يكون الهدف من التقييم هو رفع مستويات الأداء في المستقبل.
ولكن ليس من الضروري أن تتخذ الأمور هذا المنحى. فلنتخيل تقييماً يتم التركيز فيه على ما يبرع فيه الموظفون، مع الاحتفاء بنجاحاتهم وإنجازاتهم. إن مثل هذا التقييم لا بد أن يؤدي إلى حوار مثمر يسهم في تعزيز مشاركة وإنتاجية الجميع. فالتركيز على مواطن القوة لدى الفرد، يعني أنك تبني أساساً متيناً لتحقيق النجاح في المستقبل.
إن هذا النوع من المقاربات مستمد من مفهوم يدعى ’علم النفس الإيجابي‘. ويعتبر مارتن سليغمان من الولايات المتحدة أول من صاغ هذا المصطلح، الذي جرى تطويره مؤخراً من قبل أليكس لينلي وإيلونا بونيويل في أوروبا. والافتراض الرئيسي لهذا المفهوم هو أن فائدة التركيز على نقاط القوة لاتقتصر فقط على تطوير قدرة الفرد على النجاح، بل أيضاً تمكينه من التأقلم بسهولة أكبر مع التطورات. وقد نشأ هذا المفهوم على خلفية نتائج استقصاءات الموظفين التي تظهر أنه عندما يتم استثمار نقاط القوة لدى الأفراد، فإنهم يصبحون أكثر قابلية للاستمتاع بالعمل وتقديم أفضل ما لديهم من أداء. والفائدة الأهم لذلك هو أن الموظفين سيشعرون بأنهم أكثر قدرة على التعامل مع التحديات التي تفرضها طبيعة الحياة العملية. وعلى سبيل المثال، ستبدو إدارة الأزمات أكثر سهولة عندما يتم التعامل معها من وجهة نظر إيجابية. وهناك أيضاً أدلة متزايدة على أن الشركات التي تتسم بمستوى عال من مشاركة والتزام طاقم العمل، شهدت تحسناً من حيث ولاء الموظفين وتدني نسب تغيبهم عن العمل، وهو ما يشكل بالطبع مصدر سعادة كبرى لقسم الموارد البشرية!
ولكن إبراز الإيجابيات بدلاً من التركيز على السلبيات، لا يخلو من التحديات، وخاصة إذا كانت المؤسسة تركز دائماً على نقاط الضعف في عمليات التقييم. ولكن كيف لنا أن نغير هذه العادة التي لازمتنا لفترة طويلة؟ لا شك أنه هناك حاجة لمعرفة كيفية إبراز مواطن القوة، بالتزامن مع إلقاء الضوء على المناطق التي تحتاج إلى التطوير.
ثمة نهج نفسي إيجابي لتطوير أداء الموظفين تزداد أهميته بالتزامن مع المتغيرات التي تشهدها سوق العمل عموماً. فهناك توجه متزايد أصبح الأفراد فيه مطالبون بأداء مجموعة أدوار متنوعة ومختلفة مع تطوير إمكاناتهم في هذه الأدوار بسرعة. لذلك، أضحت هناك حاجة متزايدة للتقليل من اختيار الأفراد على أساس “ما أنجزوه”، أي خبراتهم، والتركيز أكثر على ما يمكنهم إنجازه، أي مواطن قوتهم وفضائلهم. وفي حين يوجد طرق أخرى لاستثمار نقاط القوة؛ فإن العديد من ممارسات أقسام الموارد البشرية، بما في ذلك معايير الاختيار، التوظيف، وضع الخطط المتكاملة والتعامل مع المناطق التي تحتاج إلى التطوير، تصبح مثمرة وأكثر توازناً بعد غرس مفهوم علم النفس الإيجابي.
وبطبيعة الحال، سيكون من الخطأ توقع نجاح هذا النهج مع الجميع. فهو يتطلب تفكيراً متأنياً ودعماً من الإدارة، فضلاً عن الرغبة الصادقة في مساعدة الموظفين على النجاح. ولكن هذا لا يعني أن الأمر لا يستحق المحاولة، إذ يحتمل إلى حد بعيد أن تكون فوائده أكبر بكثير من تكاليفه.
فيرنون برايس، الشريك الإداري، كينيكسا أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا