نعيش في عصر يتصف باحتدام المنافسة والقوانين المالية العصرية التي تقوم البنوك بموجبها بمنح العملاء تسهيلات مالية في وقت تكاد فيه محافظهم تخلو من النقود وهي حالة تعرف باسم الديون المعدومة أو Bad Debts، وهي الديون التي لا يستطيع المقرض استرجاعها من المستدين، وتعتبر أحد الأضلاع الرئيسية لهرم إفلاس الشركات، فاسترجاع مثل هذه الديون قد يكون مستحيلا أو تصبح كلفة استرجاعها أكبر بكثير من مبلغ الدين، الأمر الذي ينعكس سلبا على حجم الأصول النقدية المتوفرة لدى هذه المؤسسات.
تأثيرات الديون المعدومة المدمرة لا تقتصر فقط على الجانب المالي، ولكنها تطال الناحية التنظيمية للمؤسسة، فاحتساب مبيعات تمت دون سداد نقدي لها وأخذها بعين الاعتبار في الميزانيات المالية قد يجعل الشركة تتفاءل بطريقة غير واقعية.
وتلقي الأنظمة المالية العالمية اليوم باللوم على الديون المعدومة كمحرّض لموجة الإفلاس التي تجتاح العالم، إذ تعود بدايات الأزمة مع انتعاش قطاع العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة التي امتدت من عام 2001 وحتى 2005، حيث سارعت البنوك الأمريكية بتقديم قروض لمواطنيها لشراء منازل بفوائد تتضاعف بامتداد فترة السداد الزمنية، وبغض النظر عن الضمانات التي يمكن أن يقدمها المستدين أو الحد الائتماني الائتماني المسموح به للفرد. وبالفعل ازدهرت أعمال شركات العقارات، وعرف المستثمرون من ذوي الدخل المحدود لأول مرة طعم شراء منزل، وهو ما أدى إلى ارتفاع دراماتيكي في أسعار العقارات على اختلافها، وليحصل المستثمرون على المزيد من القروض بضمان منازلهم التي لم يكملوا بعد تسديد أقساطها.
وهكذا انغمس الشعب الأمريكي في بوتقة الإنفاق الاستهلاكي، فارتفع معدل النمو في الاقتصاد، إلا أن هذا النمو لم يكن حقيقيا ولكنه مجرد “حبر على ورق”، فهذه الطفرة لم تكن نتاج اقتصاد حقيقي، بل كم هائل من الديون المتضخمة عديمة التأثير على أرض الواقع، فكانت عبارة على رزمات أوراق من سندات وشيكات يتم تبادلها والمضاربة عليها في البورصات. ومع عجز المقترضين عن سداد ديونهم، وتخوّف البنوك ومطوّري المشاريع العقارية من ذلك، قام هؤلاء ببيع ديون المواطنين على شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان المنازل، بينما قام آخرون بتحويل الرهون إلى سندات وبيعها.
ومع تفاقم المشكلة، فكر مستثمرون بشركات التأمين كحل، وهو ما أفرح هذه الشركات التي وجدت في الأزمة إمكانية تحقيق أرباح مجزية، إذ تستطيع تملّك المنازل في حال امتناع المقترض عن السداد. هنا غابت الشفافية بشكل شبه تام عن عمل شركات التأمين التي بدأت تأخذ أقساط التأمين على السندات من المستثمرين الدوليين، دون أن تكشف لهم حقيقة وضع هذه السندات. عجز محدودو الدخل عن السداد في ضوء تراكم الفوائد، الأمر الذي اضطر البنوك والشركات لبيع العقارات ذات المشاكل، وبالتالي هبوط أسعار العقارات في الوقت الذي طالب المستثمرون العالميون شركات التأمين بحقوقهم، وسط نفاذ الأصول النقدية لديها، ومن ثم إفلاسها، لتلحقها الكثير من البنوك والمؤسسات المالية.
يبقى أن نشير إلى أن هناك دراسات اقتصادية كثيرة قد وضعت المصارف الإسلامية التي لا تتعامل مع الديون المعدومة على قائمة أقل المتضررين من الأزمة المالية العالمية، وأرجع الخبراء ذلك إلى طبيعة تعاملات هذه المصارف، كامتناعها عن بيع الديون، وابتعادها عن المضاربات، وعدم توفير غالبيتها العظمى لمحافظ في السندات والأسهم، وقلة التعاملات المالية المشتركة مع البنوك العالمية.