إمبراطورية رأس مالها الأول دراجة

أحدثت "بينيتون" ثورةً في فلسفة تصميم الملابس، وتمرّدت على نمط الحياة المعاصرة بإعلاناتها التجارية التي تمثل قيماً وأفكاراً ثورية.

إمبراطورية رأس مالها الأول دراجة

تعود بدايات علامة بينيتون إلى عام 1955 في مدينة “تريفيسو” الإيطالية، حيث كان يعمل “لوشيانو بينيتون” الشاب في محل لبيع الألبسة، إلا أن حلم الاستقلالية وبناء عمل خاص به كان يراود مخيلته باستمرار.
فكر لوشيانو بشراء آلة حياكة لإبداع التصاميم التي تملأ مخيلته، ولكنه لا يملك المال الضروري، وليس أمامه سوى إقناع شقيقه الأصغر ببيع الدراجة القديمة التي يمتلكها الأخير.
نجحت خطة لوشيانو، وبدأ يبحث عن آلة حياكة، ووجد ضالته في آلة قديمة يمكن الاستفادة منها بعد إجراء بعض التصليحات عليها.
بدأ لوشيانو بتنفيذ تصاميمه بمساعدة شقيقته جوليانا، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت منتجات لوشيانو بينيتون تحتلّ مكانةً بارزةً في واجهات عرض الألبسة في إقليم “فينيتو”، ليستعين بعدها لوشيانو بإخوته الثلاثة لتسويق إنتاجه في باقي المقاطعات الإيطالية.
فتولى أخوه جلبيرتو الإدارة العامة، وأخوه الأصغر كارلو إدارة الإنتاج، أما شقيقته جوليانا فاهتمت بعمليات التصميم.
عمل الإخوة جنباً إلى جنب حتى عام 1968، حيث وجدوا حينها أن الطلب المتنامي على منتجاتهم يتطلب افتتاح متجر خاص يحمل علامة بينيتون التجارية، وبالفعل كان لهم ما أرادوا في مدينة “بيلونو” عام 1969.
لا تكتمل قصة نجاح بينيتون دون ذكر اسم شخصية لعبت دوراً محورياً في تألق الشركة، وهو فلافيو برياتور، الذي كان يعمل في سوق البورصة الإيطالية، حيث سلّمه لوشيانو مهمة منافسة الشركة الوليدة لكبريات الشركات الإيطالية ذات النفوذ الاقتصادي في مجال صناعة الملابس، وقد أدّت هذه الخطوة الجريئة إلى الارتقاء بأعمال الشركة بحيث وصل عدد متاجر بينيتون إلى خمسة متاجر في عام 1969، وفي زمن قياسي لمع نجم الشركة على مستوى إيطاليا، فوصل عدد متاجرها في غضون عشر سنوات إلى 800 متجراً للملابس.
وبعد أن أصبح برياتور من أشهر المروّجين لمجموعة بينيتون، حصل على تفويض من الشركة لتسويقها في عالم البورصة محلياً وعالمياً، كما أنه أشرف على تصميم بوسترات أثارت جدلاً واسعاً في إيطاليا، وأبقت اسم الشركة على ألسنة المستهلكين وفي أذهانهم.
إعلانياً، تم تفويض المصوّر الإيطالي الشهير “ألفيرو توسكانو” لتصميم إعلانات مؤثرة، تتناول مواضيع جريئة كإعلان “a deathbed scene of a man”.
قدمت بينيتون نمطاً إعلانياً يعرف بـ “إعلانات الصدمة”، وهي الإعلانات التي تقوم بتوظيف شتى أنواع المؤثرات الممكنة على الجمهور، حيث عملت الشركة باستمرار على نشر مثل هذه الإعلانات التي تتناول قضايا مثيرة للجدل.
ويكمن سر التأثير الكبير لمستقبلي هذه الإعلانات في استحضارها القوي لحقائق غير مرغوب فيها، أو مخاوف تثير الفزع، ووضعها في دائرة الوعي، كما أن الإعلانات المثيرة للصدمة هي الأقدر على إثارة التجاذبات بين مؤيد لها ومعارض.
تعرضت إعلانات بينيتون لانتقادات كثيرة بإهانة القيم الأخلاقية للكثير من المستهلكين المحتملين، وأنها كرّست هذه الإعلانات لخدمة مواقف سياسية واجتماعية، بالإضافة إلى تجاوز الضوابط الأخلاقية المرتبطة بالإعلانات، عن طريق إظهار معاناة أشخاص.
ولم تقف هذه الإعلانات عند هذا الحد، ولكنها استخفّت بإعلانات الشركة باعتبارها شمولية وعامة، ولا تقدم للمستهلك أية معلومات عن المنتج.
رد بينيتون جاء بإطلاق مركز للأبحاث باسم “فابريكا” في عام 1994، كمبادرة تمثل سياسة الشركة بالتوفيق بين المجتمع والصناعة، وذلك باعتماد قنوات اتصال مبتكرة وغير تقليدية كالموسيقى والسينما والتصوير والإنترنت، وبمشاركة الخبرات مع المبدعين في مختلف أنحاء العالم.
تلتزم فابريكا بمبدأ التنويع في رسائلها الإعلانية، والتعبير عن قضايا عالمية على درجة كبيرة من الأهمية مثل العنصرية والفقر والعولمة، حيث يتمثل التحدي الأهم لفابريكا في التقريب بين الثقافات المختلفة، والتوصّل إلى أفكار إعلانية جديدة، تحمل رسائل عميقة، يستطيع كل من يشاهدها أن يفهم محتواها.
واستطاعت بينيتون أن تميّز إعلاناتها عن باقي الشركات المنافسة بطريقة ذكية، فإعلانات معظم الشركات تسعى إلى إظهار المستهلكين الذين يستخدمون منتجات هذه الشركة على أنهم سعداء، وأنهم راضون عن أنفسهم، بينما فضلت بينيتون أن تسلك منحىً مغايراً، بجعل المستهلكين يشعرون بالارتياح لأن لديهم إدراكاً كاملاً بالقضايا الاجتماعية، ومعاناة الآخرين.
اكتسبت مجموعة بينيتون شهرةً عالمية، وبدأت علامتها التجارية تعرف في الأسواق العالمية بـ “United Colors of Benetton”، وانبثقت عن هذه العلامة أقسام جديدة مثل “Sisley” و”Playlife” و”Killer Loop”.
وقد تطوّر إنتاج الشركة ليشمل منتجات تكميليةً جديدة منها مستحضرات خاصة للعناية بالجسم، بالإضافة إلى منتجات العطور، والساعات، والمنتجات المتعلقة بلوازم المنزل كأدوات المطبخ ومستلزمات الأطفال كافة.
برعت مجموعة بينيتون في مجال الحملات الإعلانية لمنتجاتها، حيث أدركت أهمية الاستثمار الإعلاني في عالم الرياضة، فبدأت برعاية الألعاب الرياضية تحت اسم الألوان المتحدة.
أولى خطوات بينيتون في هذا المجال كانت رعاية الفرق المشاركة في سباقات الفورمولا 1، ففي عام
1983، اختارت فريق “Tyrrell”، وبعدها انتقلت لرعاية فريق “Alfa Romeo” بين عامي 1984 و1985.
وطوّرت بينيتون استثمارها في مجال الرعاية الرياضية فانتقلت إلى التملّك، فاشترت أواخر عام 1985م فريقين من فرق سباق السيارات، هما فريقا “توليمان” و”سبرايت”، اللذين حققا نجاحات متوالية تحت إدارة برياتور، العقل المدبّر لشركة بينيتون.
ولدعم أعمالها في مجال الملبوسات، دخلت بينيتون استثمارات أخرى في مجال الطرق السريعة، وخدمات الفنادق، وتقديم الطعام، وخدمات النقل، والاتصالات، والعقارات والزراعة.
يمكن إرجاع نجاح بينيتون إلى عدة عوامل أهمها تصميم خطوط الإنتاج الخاصة بالشركة، بعد دراسة متأنية للأسواق التي تفكر باقتحامها من حيث المنافسة، والمناخ الطبيعي، والوضع الاقتصادي.
ومن جانب آخر، نسجت بينيتون شبكةً عالميةً واسعةً من منافذ البيع والوكلاء الحصريين، الحاصلين على تراخيص تمكّنهم من إنتاج ملابس تحمل علامة بينيتون التجارية، الأمر الذي ساعد الشركة الأم في دخول أسواق جديدة وتخفيض تكاليف التشغيل.
سخرت بينيتون حملة “United Colors of Benetton” في وضع العلامة التجارية في دائرة الضوء، وأضفت الصفة العالمية على منتجاتها، بأنها ملابس تناسب الجميع في مختلف أنحاء العالم.
وخفضت بينيتون باتباع الإستراتيجية السابقة النفقات الإعلانية العملاقة التي كانت ستصرفها في حال اعتمدت حملات إعلانية مستقلة، موجّهة لكل بلد على حدة.
لقد أثبتت بينيتون أنها مثال جيد يحتذى به للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تكون بذوراً أساسية لمشاريع كبيرة، ودور مثل هذه المشاريع في خلق الوظائف في الاقتصادات المتقدمة والنامية.


  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google
  • description
  • Furl
  • LinkaGoGo
  • MisterWong
  • MySpace
  • Simpy
  • Socialogs
  • StumbleUpon
  • TwitThis
  • Yahoo! Buzz
قيم المقال
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (0 votes)
Loading ... Loading ...
نشرت في تاريخ الْخَمِيس, اكتوبر ٢٩ام, ٢٠٠٩

:وسوم


تصنيفات تسويق، شركات عالمية، مؤشرات، من الحياة.
بإمكانك متابعة هذه المقالة عبر ملخصات آر اس اسRSS 2.0
*الإسم
*البريد الإلكتروني
عنوان البريد الألكتروني لن يظهر لبقية القراء
*العنوان
*التعليق
ارسل لي تنبيهات على بريدي الألكتروني حول اي رد على تعليقي 
 
الحقول التي يوجد بجانبها علامة النجمة * اجبارية