قد يستغرب البعض تحوّل اسم شخص إلى علامة تجارية، إلا أن هناك أمثلة كثيرة عن شخصيات باتت اليوم تمثل علامات تجارية من العيار الثقيل في عالم الأعمال، بقطاعاته المتنوعة، ومنها “جورجيو أرماني”، الذي بنى علامةً تجارية ذات سمعة طيبة في عالم الموضة والأزياء الفاخرة، وتبلغ إيراداتها المالية ما يقارب 3 مليارات يورو سنوياً، ويعمل لديها 5000 موظف، كما تمتلك 13 مصنعاً.
شهد القرن الماضي ولادة نجم في عالم الموضة والأزياء، وهو جورجيو أرماني، الذي ولد في عام 1934م في مدينة “بياتشينزا” الإيطالية. التحق أرماني بكلية الطب، حيث أمضى فيها عامين، لينتقل بعدها للعمل في ميدان التصوير. دخول أرماني إلى عالم الموضة والتصميم كان وليد الصدفة، فقد كان يعمل كمزيّن لواجهات محلات “لاريناسينتي”، لينضم فيما بعد للعمل في بيت الأزياء الشهير “نينو كيروتي” كمصمم للأزياء.
لم يقف طموح الشاب الإيطالي هنا، ففي عام 1974م، أسّس وصديقه المقرب “غاليوتي سيرجيو”، شركته الخاصة للملابس الرجالية، لتليها النسائية بعد عام على التوالي. اتخذ أرماني من بريطانيا مصدراً لإلهاماته في الموضة، فكان يزورها بغية التعلم، ومشاهدة متاجرها.
ولطالما اعتبر أرماني أن على رجل الأعمال الناجح أن ينظر دوماً إلى المستقبل، وأن تكون لديه رؤية لكي يصمد أمام المنافسة. ومن هذه الحقيقة، امتدت حالة النشاط التي تمتع بها، لينتقل من تصميم الملابس إلى العطور. في أوائل الثمانينات، وقّع أرماني اتفاقيةً مع “لوريال” للعطور، كما أطلق علامتي “أمبوريو أرماني” و”أرماني جينز”.
شغف أرماني بتصميم الديكورات، النظارات الشمسية، مستحضرات التجميل، الساعات، المجوهرات والمفروشات الفخمة، كما اقتحم عالم المطاعم والمقاهي.
تأسست شركة أرماني للفنادق والمنتجعات في 2005م بموجب اتفاقية بين شركتي “جورجيو أرماني” و”إعمار” العقارية، بهدف تطوير وإنشاء وإدارة مجموعة حصرية من أفخم الفنادق والمنتجعات في أهم المدن والوجهات السياحية بالعالم، حيث سيتم إنشاء ما لا يقل عن 7 فنادق فخمة، و3 منتجعات سياحية، خلال الـ 10 سنوات المقبلة. وبموجب الاتفاق تمنح جورجيو أرماني ترخيصاً طويل المدى إلى “إعمار للمنتجعات والمجمعات السكنية” لتشغيل سلسلة منتجعات وشقق فندقية جديدة، حيث ستتولى “إعمار” المسؤولية كاملةً عن العمليات العقارية والتشييد والإدارة. وفي المقابل، ستتولى جورجيو أرماني عملية الإشراف على جميع الجوانب المتعلقة بالمحتوى والتصميم وأساليب الحياة العصرية، بما في ذلك الشكل الخارجي والتصميم الداخلي والتأثيث باستخدام منتجات أرماني.
ومن المقرر أن يحتضن أول فنادق علامة “أرماني” التجارية في دبي، 160 غرفة وجناحاً، ومجموعة من المطاعم والمرافق الترفيهية، ممتداً على مساحة إجمالية تزيد على 40 ألف متر مربع.
ومضى أرماني إلى عالم المنتجات الإلكترونية، فتعاون مع عمالقة الشركات التقنية في تصميم هواتف متحركة موسومة باسمه، مثل هاتف “سامسونغ أمبوريو أرماني”.
تقوم إستراتيجية أرماني على مبدأ أساسي، وهو اتباع خطط غير متشابهة لتسويق وترويج منتجاته. فتختلف المناهج في انتقاء العناصر الأساسية، كاختيار الموقع، تدريب فريق العمل، التمويل اللوجيستي والتصميم.
فعلى سبيل المثال، تقع متاجر “أرماني كولاتزيوني” في بريطانيا خارج لندن، أما علامة “جورجيو أرماني”، فتتواجد في العاصمة. في الولايات المتحدة الأمريكية، يتم اختيار فريق العمل وتدريبه بشكل متخصص ليتوافق مع علامتي “أمبوريو أرماني” و”جورجيو أرماني” التجاريتين، وهو ما يختلف في متاجر “أرماني إكستشينج”، إذ يتم اختيار العاملين الصغار في السن، والأكثر متابعةً لصرعات الموضة.
ويظهر الاختلاف في سياسة أرماني أيضاً في الإستراتيجية المتبعة من الناحية الإعلانية والتسويقية، فيصر أرماني مثلاً، على نشر إعلانات علامة “جورجيو أرماني” في مجلات الموضة، وليس على المواقع الإلكترونية، أو اللوحات الإعلانية الطرقية. في حين أن اللوحات الإعلانية، تظلّلها صور لاعبي كرة القدم وهم يرتدون ملابس “أرماني جينز”.
يسبح أرماني عكس التيار، ففي السنوات القليلة الماضية، قامت بعض العلامات الإيطالية العالمية مثل “فيرزاتشي”، بإقفال بعض متاجرها التي تقدم منتجات متوسطة النوعية، بغية التوّجه نحو المنتجات الفخمة. والسبب في ذلك يعود إلى عدم صمودها أمام منافسة المنتجات في الأسواق الناشئة، كالصينية مثلاً. لم يحذو أرماني حذوهم، بل ركّز في كل علامة على طابع الفخامة، متوجهاً إلى جميع الطبقات والقدرات الشرائية. وانطلاقاً من هنا، واجه المنافسة من خلال تقديم ما يعبّر عن شخصيته وهويته، فحصد النجاح، وعلامةً تجارية مرموقة تقدر قيمتها بما يقارب 5 مليار دولار.
منذ البداية، اعتمد أرماني هوليوود كنقطة الارتكاز في إستراتيجيته التسويقية والإعلانية، ويعود نجاحه في هذا المجال إلى العرض الذي بث في عام 1980م، حيث ظهر فيه الممثل “ريتشارد غيير”، يرمي قمصانه على سريره، وكانت كلها تحمل علامة أرماني.
واختار أرماني نموذج إشراك المشاهير في تصوير إعلاناته التجارية، كعارضي الأزياء، الممثلين العالميين، ولاعبي كرة القدم.
وتتخذ هذه الحملات طابعاً خاصاً، يركز من خلاها على الفكرة ليوصلها إلى الجمهور بشكل مقنع. ففكرة الإعلان تنبعث من مفهوم أرماني، إذ يحاول إيصال الرسالة بشكل مبسّط، مع التركيز على صورة الفخامة، فيقنعك من خلال اللغة، والمشاعر، والكلمات، أنك إذا استعملت أي منتج من أرماني، أو ارتديت أي قطعة من تصاميمه، ستصبح مشهوراً، أنيقاً وناجحاً.
وتستحوذ علامتي “جورجيو أرماني” و”أمبوريو أرماني” حصة الأسد من ميزانية الترويج والإعلان للشركة، حيث تصل نسبتها إلى 70% من إجمالي الميزانية التسويقية.
يعتبر أرماني منطقة الشرق الأوسط من الأسواق الرئيسية لتسويق منتجاته، إلى جانب كل من بريطانيا والصين واليابان. ومن خطط أرماني التوسعية في المنطقة، افتتاح مجموعة من متاجره، مثل “أرماني كازا”، قسم المفروشات المنزلية، في مختلف مناطق دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بعد افتتاح أول هذه المتاجر مؤخراً في دبي. وعن اختيار هذا الموقع، يتحدث أرماني قائلاً: “تأتي هذه الخطوة نظراً للأهمية التي توليها الشركة في اختيار موقع فاخر وجذاب عند إطلاق هكذا نوع من المشاريع”.
يرى أرماني في منطقة الخليج العربي سوقاً جيدة لقطاع الفنادق، وذلك بسبب الفرص النادرة والمميزة للاستثمار التي توفرها هذه المنطقة، ولاعتباره قطاع الفنادق من أكثر القطاعات نمواً في السنوات القادمة.
جسّد أرماني رؤيته الاستثمارية في قطاع الضيافة من خلال أرماني للفنادق والمنتجعات، التي كشفت عن مشاريع متميزة، مثل مجمع “أرماني للشقق الفندقية” في دبي، ومشروع “مراسي” في مصر.
ودفعت ردود الفعل الإيجابية تجاه هذين المشروعين إلى البدء في عمليات التطوير في “فندق أرماني ميلانو”، في إيطاليا، حيث من المتوقع أن يفتتح الفندق أبوابه خلال عام 2010م.
ووسط شكوك بعض المحللين الاقتصاديين بقدرة أرماني على مواصلة النمو الذي شهدته العلامة التجارية على مر السنوات الثلاث الماضية، بمعدل افتتاح 40 متجراً سنوياً حول العالم، في ضوء الأوضاع الاقتصادية الراهنة، واحتدام المنافسة مع التنين الصيني، إلا أن أرماني لا يخاف الركود، ويتوقع تحقيق أرباح تصاعدية في الأعوام المقبلة، محدداً إستراتيجيته في الوقت الراهن بقوله: “تقوم إستراتيجيتنا المتوسطة الأجل على استكمال خططنا التوسعية لعلامات أرماني المتعددة، بالإضافة إلى تعزيز حضور هذه العلامات في الأسواق الناشئة”.